ابن الحسن النباهي الأندلسي

87

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

قال ابن حارث : ولقد قال له بعض أصحاب السلطان في كلام جرى بينهما : « إنا لنعيبك بلين الجانب ، والتطويل في الحكومة ! » فقال ابن بقي : « أعوذ باللّه من لين يؤدي إلى ضعف ، ومن شدّة تبلغ إلى عنف ! » ثم جعل يذكر فساد الزمان ، واحتيال الفجار ، وما يباشر من الأمور المشتبهة ، التي لا تتبيّن لها حقيقة ، ولا ينكشف لها وجه ، وقال : « قد أسندت على عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وهو هو ، حكومة قوم طال نظره فيها ، والتبس عليه أمرها ؛ فكره أن يحكم على الاشتباه ، وأمرهم بابتداء الخصومة من أوّلها ! » . قال : وحدّثني أصبغ بن عيسى قال : « 1 » « كنت يوما مقبلا مع القاضي أحمد بن بقي ، حتى عن لنا رجل سكران يمشي بين يديه مخبولا ؛ فجعل أحمد يمسك من عنان دابّته ، ويترفّق في سيره ، ويرجو أن يعدل السكران عن طريقه أو يحبس به ، فينجو بنفسه ؛ فلم يكن عنده شيء من ذلك ، إلّا أن توقّف مستقبلا . فلم يكن للقاضي بدّ من الدنوّ منه ، والنظر إليه . قال أصبغ : وكنت أعرف لياذه من مثل هذا ، وكراهيّته للانتشاب « 2 » فيه ، ورقّة قلبه من أن يقرع أحدا بسوط . فقلت في نفسي : « ليت شعري كيف تصنع في هذا ، يا ابن بقي ؟ وربما تتخلّص منه » فلما دنونا من السكران ، ولصقنا به ، مال إلى أحمد ؛ فقال : « مسكين هذا الرجل ! أراه مصابا في عقله ! » فقلت : « نعم ! أيها القاضي ، ببليّة عظيمة » فجعل يستعيذ باللّه من محنته ، ويسأله أن يأجره على المصاب في عقله ؛ ومضينا » . وقال ابن عبد البرّ : كان أحمد بن بقي حليما ، عاقلا ، وقورا ، مسمتا ، هيّنا ، ليّنا ، صليبا في بعض أحيانه ، غير أنّ الأغلب عليه كان اللين . لم يكن بالأندلس قاض يقاربه في الصمت والوقار والسكينة . وكان الخليفة الناصر لدين اللّه عارفا بحقّه ، ومجلّا له ، لم يعزله ، ولا كره شيئا من حاله ، إلى أن توفّي سنة 324 . وكان قد ولي الصلاة قبل القضاء . ثمّ ولي القضاء ؛ فاتّخذ لخدمته أعوانا شيوخا ، أولي سداد ، سأل أن يرزقوا من بيت المال ، وأجيب إلى ذلك . وكان من رسمه إذا جاءه الحكم

--> ( 1 ) النص في قضاة قرطبة ( ص 226 ) وفيه بعض اختلاف عما هنا من حيث الصياغة وليس من حيث المعنى . ( 2 ) انتشب فيه : اعتلق . محيط المحيط ( نشب ) .